عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

32

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

المسعودي الفقيه الشافعي الفاضل المبرز الورع ، من أهل مرو . تفقه على أبي بكر القفال المروزي ، وشرح مختصر المزني ، وأحسن فيه ، وروى قليلاً من الحديث عن أستاذه القفال . وحكى عنه الغزالي في كتاب الوسيط في الايمان مسألة لطيفة فقال : فرع لو حلف لا يأكل بيضاً ، ثم انتهى إلى رجل ، فقال : والله لآكلن ما في كمك ، فإذا هو بيض ، فقد سئل القفال عن هذه المسألة وهو على الكرسي فلم يحضر جواب . فقال المسعودي : يتخذ منه الناطف ، ويأكله ، فيكون قد أكل ما في كمه ، ولم يأكل البيض ، فاستحسن ذلك منه . وهذه الحيلة من لطائف الحيل الوافية من الوقوع في الخلل . توفي المسعودي المذكور بعد نيف وعشرين وأربع مائة بمرو - رحمه الله تعالى - ونسبته إلى جده مسعود . سنة واثنتين وعشرين وأربع مائة فيها عزم الصوفي الملقب بالمنصور على الغزو ، فكتب له السلطان منشوراً ، وقصد الجامع لقراءة المنشور وبين يديه الرجال بالسلاح يترضون على الشيخين ، وصاحوا : هذا يوم معاوي . قلت : يعنون فيه إظهار شعار معاوية بن أبي سفيان في الذكر لأبي بكر وعمر دون علي رضي الله تعالى عنهم فحصبهم أهل الكرخ ، فسارت الفتنة ، واضطربت ، ونهبت العامة دار الشريف المرتضى ، ودافع عنه جيرانه الأتراك ، واحترقت له سرية ، وبات الناس في ليلة صعبة ، وتأهبوا للحرب ، واجتمعت العامة وخلق من الترك ، وقصدوا الكرخ ، فرموا النار في الأسواق ، وأشرف أهل الكرخ على التلف ، فركب الوزير والجند ، فوقعت آجره على صدر الوزير ، وسقطت عمامته ، وقتل جماعة من الشيعة ، وزاد النهب فيهم ، وأحرق في هذه السائرة عدة أسواق ، ولم يجر من السلطان إنكار لضعفه وعجزه ، وتبسطت العامة ، وآثاروا الفتن : فالنهار فتن ومحن ، والليل عملات ونهب . وقامت الجند على السلطان جلال الدولة لإطراحه مصالحهم ، وراموا قطع الخطبة ، فأرضاهم بالمال ، فساروا بعد أيام عليه . وثم مات القادر بالله ، واستخلف ابنه القائم بأمر الله ، فبايعه الشريف المرتضى ، ثم الأمير حسن بن عيسى بن المقتدر ، وقامت الأتراك على القائم بالرسم الذي للبيعة ، فقال : إن القادر لم يخلف مالاً ، وصدق لأنه كان من أفقر الخلفاء ، ثم صالحهم على ثلاثة آلاف دينار ، وعرض القائم خاناً وبستاناً للبيع ، وصغر دست - الخلافة إلى هذا الحد ، وصارت الأموال والأعمال مقسومة بين الأتراك والأعراب ، مع ضعف ارتفاع الخراج ، والوزارة خالية من أهلية ، وما يناسبها من صلاحيته ، والوقت هرج ومرج ، والناس بلا رأس .